ارحم نفسك، فقد تعبت

أنت مُقبل على وقتٍ يطرق قلبك قبل بابك، فاستعد له وتأهب.

لا أقول لك: تأنق ولا تجمل، إنما أقول لك: تذكر ما كنت تريده طيلة السنين، وما سعيت له دون تحصيل، وما شعرت أنه مستحيل ولا يمكن نيلة.

ولا تنس روحك المتعبة والمرهقة، أتنساها بعد كل هذه الأزمان؟ ولا تنس طموحاتك ولا رغباتك ولا تقل: سأزهد.

[أعلم أن الزهد قد يكون يأسًا مغلفًا بحكمة] يجمله لك الشيطان، وأنت تقول: روحي متعبة لماذا أكون حريصًا على الدنيا ولم أرى منها خيرًا ولا رزقًا؟

هذا ليس منطوق روحك وعقلك، إنما هو الشيطان الذي نفث في صدرك طيلة الأعوام.

في الدعاء يفتح لك ما لا يفتح لو عملت الليل والنهار كله. وستقول: ما الفرق بين السعي الذي أمرنا الله به، وبين الدعاء الذي يهب لك ما لا تسعى له دون كد ولا تعب:

  • الدعاء عبادة: أي أنك مأجور بالحسنات والثواب التي تنزل عليك من فوق سبع سماوات.

تدعو ولا يسمع صوتك إلا الله، وتتوسل إليه بالرجاء، وتثبت عند السؤال دون يأس ولا قنوط [فالأجور في ميزانك تزداد: توحيد، إلحاح، إحسان الظن بالله، عبادة] تأمل هذه الأعمال العظيمة في دقائق معدودة.

  • الدعاء يقرب البعيد، ويهب الأجنة في بطون الأمهات، وينزل الغيث والأرزاق من السماء، ويصرف شر الماكرين والسارقين. عملًا تظنه أنه صغيرًا وما هو في الحقيقة إلا عظيم.

لماذا تزهد في المال، والرفعة، والمنصب، الصحة والجمال، والعز، والبيت الجميل، والزوج المحب السند، والزوجة المحبة الحنونة، الذرية …؟ لماذا تقلل من شأنك، والله قد رفعك وكرمك بالدين والتوحيد والهداية، ووعدك بالإجابة، وأعطاك خير الدنيا قبل الآخرة؟

  • قد تكون متمسكًا بالدعاء، لكن بعض من حولك يثبطون عزمك وتفاؤلك. يقولون: انظر إلى حالنا لن يتغير شيء، كن واقعيًا، لا تحلم! لكن اسأل نفسك: هل هؤلاء من أهل الدعاء؟ هل هم من أهل إحسان الظن بالله؟ غالبًا لا.

ما قدروا الله حق قدره، وتجدهم يؤمنون أن الخير في الآخرة فقط ولن ينال بالدنيا [هذا ظنهم وهذا حالهم، فتأمل رعاك الله كيف أثابهم الله على ما ظنوه].

  • قد تأتيك خواطر ولا تلام عليها، فكل من سبقك من المؤمنين مروا بها وفكروا مثلها [من أنا لأطلب وأكثر على الله؟ أرجو المستحيل وأسأل المحال!] لا تخف: خواطرك بشرية ومنطقية، لكن الله لا يعاملك بالمثل، ولا يساومك كما يفعل البشر، جل جلاله وعز شأنه.

كل ما عليك أن تنظر إلى ما وقر في قلبك دون حساب ولا أرقام. والله يتكفل بك وبما ترجوه [قل دعائك، وضع كل عجزك وحاجتك أمام الله، وتوكل عليه، وأحسن الظن به، فتنزل عليك الهبات من فوق سبع سماوات].

  • وبعد أن تنوي الدعاء، وتشتاق عيناك للفرج، يأتيك الشيطان من خلفك: من أنت، لست من الصالحين، أنت فعلت وأخطأت وأذنبت……

لكن اثبت وامسك بحبل الدعاء، كم من بشرٍ أقبلوا على الله بضعفهم وحاجتهم وشدتهم، فلم ينظروا إلى ذنوبهم، فأثابهم الله بالإجابة (ولو كان أمر دنيوي بحت) ثم غفر لهم ذنوبهم بسبب إلحاحهم وحسن ظنهم بالله، ثم كرمهم بهبات وأرزاق لم يسألوها، ووهب لهم ما لم يخطر على البال [الهداية، وزيادة الطاعات، وتيسير التوبة، أحب الله صوتهم ومناجاتهم فقربهم إليه].

  • لا يهمك تعداد السنين ولا تأخر الإجابة، فإن سنن الله الكونية لا تتغير، والعبد يختبر بالانتظار.

إذا كان لك دعاء لم يستجب بعد، فليس معناه أن الأمر محال أو صعب، لا، إنما أنت مختبر بالصبر.

فإن أحسنت الظن بالله أن الدعاء مجاب، انقضت المدة، ورفع عملك بثواب الصبر، وقبل الله منك، وأجيبت دعوتك. ألهذا تزهد يا عبد الله؟ لا والله، لا تزهد.

  • إذا أقبل الكافر، أو المشرك، أو الملحد على الله تائبًا صادقًا، قِبل الله توبته، وغفر له من جود إحسانه وكرمه ورحمته، فكيف بك وأنت المؤمن، الصابر، والمحسن الظن بربه، وتقول في قلبك: لا أريده وطابت نفسي!

دعاؤك كله محفوظ، حتى ما دعوت به في صغرك.

واعلم أن المَلك يكتب عملك، فكيف تظن أن دعائك منسي؟ الدعاء مستجاب بإذن الله، وبعضه مدخر لك في الآخرة، وبعضه صرف عنك شرًا، أو موتًا محققًا، أو مرضًا مؤبدًا وأنت لا تدري، لكنك نجوت! ليس بجود أخلاقك إنما بدعاءٍ محفوظ لم يضيع.

  • الدعاء يمنحك بصيرة لا تعطى لغيرك، فقد تعجز عن حل أمر، أو صعوبة في الفهم ثم أثناء الدعاء يفتح الله عليك بالحل. (ومن البشرى العاجلة للمؤمن أن يستجاب له قبل أن ينتهي من دعائه، وهذا من فضل الله وجود إحسانه على عبده).

تمسك بدعائك، وشد على طلبك، وإياك أن تتنازل عن أهدافك وطموحاتك وغايتك وكل ما يسر روحك.

ولا تكثر من الدعاء على من ظلمك وآذاك طيلة السنوات (وإن كانت دعوة المظلوم مستجابة) لكن أوصيك أن تدعو لنفسك أكثر.

قل: يا رب رضيت بقضائك، فأنزل عليّ الفتوح والهبات.

قد تريد أمرًا من الدنيا تناله، وقد تتوق نفسك إلى كثير من الهبات من الله، فلا تخجل ولا تستح من الله، بل أكثر من سؤال زينة الدنيا، واطلبه من الله، واختر دعواتك بعناية، واجعل نيتك أن تكون النعم في الدنيا وسيلةً تعينك على الطاعة، وتبلغ بك الجنة.

أنوي الخير من الآن، وأنت أعرف بما تريد وبما تتمناه، فارفع سقف طموحاتك، وأطلب من الله ما يحبه ويرضاه، وأن يكون مباركًا لك وفيه كثير من الصلاح.

تذكر نفسك المتعبة المرهقة طول السنة، كتمت كثيرًا، وصبرت على من لا ذمة له ولا ضمير، وتنازلت ليس ضعفًا منك، كلا، أنما لأنك تريد العوض والجبر من الله.

أتنسى حين زارك الحزن في ليال عدة وكان الله يجتبيك دون حول منك ولا قوة؟ فإذا بعد هذا كله تنسى؟ ادعُ الله واطلب منه أن يشرح صدرك، ويجعل نفسك مطمئنة راضية قانعة، فالله قادر قاهر، وهو الرحيم اللطيف بك.

ولا تظن أن النفس إذا ضاقت وتكدرت وحزنت أنها لا تفرح بعد ذلك ولا يطيب حالها؟ إن النفس بعد الفرج واستجابة الدعوات قد تشعر كأن العمر قد تجدد، وكأن العقل والقلب قد استراحا من شدة حلاوة الأيام وفرج الله الذي يأتي في الميعاد. فاطمئن.

تذكَّر الآخرة، وتمسَّك بالطاعات كمن يتمسَّك بسفينةٍ في بحرٍ أمواجُه كالجبال؛ أفتفلت يداك فتغرق في زحام الدنيا وهمومها ومرارتها؟

إذن ادعُ الله أن يهب لك الفردوس الأعلى. ولا تقل من أنا حتى أطلب؟ فقد أخبر الرسول ﷺ أصحابه إن من بعدهم قومًا ينالون أجرًا عظيمًا عند التمسك بالدين في زمن الفتن، وذلك لأن النبي ﷺ يعلم أن زمانًا سيأتي تكثر فيه الفتن، ويكثر فيه انشغال الناس بالدنيا، فالثبات فيه أجر عظيم، وهذا من جود إحسان الله علينا ومن كرمه، ولله المستعان على هذا الحال.

اطلب من الله حسن الخاتمة، وأن تموت على التوحيد، وأن يكون آخر كلامك من الدنيا: لا إله إلا الله.

وأسأله أن يجعل في قبرك نورًا ويوسعه لك، وأن يحفظك من أهوال يوم القيامة، وأن يجيرك من النار. واجعل دعائك في كل الأوقات: اللهم إني أسألك العتق من النار. 

وتذكر أن المتكبرين على الله يثقل على ألسنتهم الاستغفار، فكلما هممت بعمل فاستغفر الله، وخاصة بالأسحار. دعواتك ثمينة جدًا، فأكثر منها، واطلب الغفران والعفو عما فات، واستكثر من الاستغفار في قيامك وقعودك.

وإن مرت الليالي وكانت الأدعية ثقيلة على لسانك بسبب أفكار أو خواطر ينفثها الشيطان في قلبك، فاستغفر الله وارجع إليه، وفر إلى الله بقلبٍ محسن الظن به.

دعواتك هي أثمن ما تملك، فلا تفرط بها، ولا يدخلك الشيطان بخواطر أن ما تطلبه محال، واعلم أن كيد الشيطان ضعيف؛ فهو لا يملك سلطانًا عليك، وإنما الأمر بيدك، تسعى وتجاهد، فاعمل الطاعة وأنت متوكل على الله، لا على نفسك ولا على قوتك.

لا تلتفت إلى أحد، ولا تنظر إلى الخلف، وتمسك بالعبادة كأنها ستفلت منك، فأمسك بها بقوة، فإن كثرة الملهيات والمباحات قد تفلت خيوط الطاعات دون أن يشعر الإنسان.

ارحم نفسك، وكن رحيمًا بها، فقد تعبت، وزارها الحزن مرارًا، ومكث عندها اليأس دون وداع.

واطلب العُلا فأنت لا تطلب من الناس، إنما تطلب من رب السماوات السبع والأرض، ذي الجلال والإكرام.

رتب دعاءك، واجعله طويلاً ولا تملي على الله بالتفاصيل فإنه الحكيم العليم.

أَصابَ من قلبك موضعًا؟

إن راق لك المقال، فامنحه من نجومك ما ترى. [من اليمين نجمة، ومن اليسار 5خمس نجوم]

متوسط التقييم 5 / 5. نتيجة التصويت 1

لم يخط أحد بعد إلى مجلس التقييم.

اظهر المزيد

نوره السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "أقدار الله تثبيت لا تشتيت" 2026 م كرحلة إيمانية تكشف حكمة الله في أقداره، وتغرس في القلب اليقين بأن كل ما يقدره الله لعبده يحمل خيرًا ورحمة. صدرت لها رواية "دار العقلاء" 2025 م كرحلة معرفية تأخذ القارئ إلى عوالم الوعي والذات والتوازن الديني والنفسي. صدر لها كتاب “الطريق إلى رمضان” 2026 م ضمن مبادرات دار آدم الخيرية تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى